الأحد، 18 نوفمبر 2012

الائتلاف الوطني السوري



المتابع للأحداث يرى بوضوح أن العالم الغربي ومعه الكيان الصهيوني كان راضيا بل داعما في الحقيقة للمجازر ضد الشعب السوري المسلم. أكثر من سنة ونصف والنظام النصيري المجرم يقتل ويغتصب ويعذب ويشرد، والمجتمع الدولي لا يحرك ساكنا، إلا بتصريحات خبيثة منذ عدة أشهر تتركز حول الاستياء من ظهور فصائل مجاهدة نقية تسعى بعد التخلص من الأسد إلى إقامة حكم إسلامي، وتصريحاتٍ تخشى من وقوع الأسلحة الكيماوية في أيدي المجاهدين و من تهديدهم للكيان الصهيوني، وتصريحات تخشى من أن يتسبب طول أمد الصراع في سوريا في اكتساب هذه الفصائل المجاهدة شعبية وتأييدا كبيرا لدى الشعب السوري.



لذا فقد عمل المجتمع الدولي خلال هذه الفترة على تشكيل كيان سياسي عسكري لا ليسقط به نظام الأسد، فهذا النظام ساقط لا محالة، بل ليمنع به قيام كيان إسلامي نقي بعد الأسد. وتدخل المجتمع الدولي في بعض الأحايين للإبقاء على الأسد إلى حين ضمان تبعية هذا الكيان وإنهاك الشعب السوري والفصائل المقاتلة لترضى بتقديم التنازلات. وعندما أصبح الوقت مناسبا، وتنامت الظاهرة الجهادية في سوريا وكادت تقطف الثمرة، إذا بالمجتمع الدولي يطل علينا بما يسمى الائتلاف الوطني السوري.

ما الهدف من تشكيل هذا الائتلاف؟
أولا: يراد لهذا الائتلاف أن يصبح دمية جديدة مكان النظام النصيري تضمن به أمريكا مصالحها في المنطقة ويضمن به الكيان الصهيوني استمرار دور تأمين حدوده الذي مارسه النظام النصيري لأكثر من أربعين عاما. هذا إخواني ليس توقعات ولا تحليلات، بل هو منطوق تصريحاتهم. فها هو رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو يقول أول امس الأربعاء أن بلاده تواجه تحديا جديدا في سوريا لوجود "قوى تابعة للجهاد العالمي" أكثر عداء لإسرائيل في هذا البلد، يقصد من العداء الذي تظاهر به نظام الأسد من قبل.

http://aljazeera.net/news/pages/0c61b179-2597-42b8-b4ac-b54cd1df7ce0?GoogleStatID=1

ولهذا قامت المدفعية الصهيونية بقصف قوات مقاتلة سورية يوم الأحد الماضي كانت تحاصر قوات لنظام الأسد وتتفاوض معها على الاستسلام، فتدخلت المدفعية الصهيونية لفك الحصار عن قوات الأسد.

http://islammemo.cc/akhbar/arab/2012/11/12/158367.html

ثانيا: يراد لهذا الائتلاف أن ينشئ دولة ديمقراطية بالاسم، غربية التبعية في الواقع لتفويت الفرصة على المجاهدين الذين يسعون إلى تكليل جهاد الشعب السوري بإقامة دولة إسلامية. لذا فقد أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الثلاثاء الماضي أن فرنسا تعترف بالائتلاف السوري الوطني بصفته (الممثل الوحيد للشعب السوري وبالتالي الحكومة المؤقتة المستقبلية لسوريا الديموقراطية). ركز هنا على عبارة (لسوريا الديمقراطية).

والذي يظن أن سوريا بعيدة عن قيام دولة إسلامية فيها وأن الغرب لا يحسب حسابا لهذا هو في غاية الغفلة عن الواقع، قد أصابته لوثة العجز وعقدة الضعف واليأس التي يراد تكريسها في نفوس المسلمين.

ثالثا: وهو الدور الأهم: يراد لهذا الائتلاف أن ينوب عن القوى الغربية في مقاتلة المجاهدين وتصفيتهم. فالصورة التي يراد رسمها الآن على النحو التالي:

تشكل ائتلاف من قوى معارضة لنظام الأسد، هذا الائتلاف يتمتع بالشرعية الدينية والاجتماعية إذ على رأسه شيخ وابن شيخ صاحب خطاب ديني ومن عائلة عريقة لها مواقفها. المهمة المعلنة لهذا الائتلاف هي الإطاحة بنظام الأسد ووقف المعاناة الطويلة للشعب السوري...مهمة عظيمة صعبة لا تستغني عن الدعم الدولي –زعموا-...المجتمع الدولي على استعداد لتقديم الدعم. لكنه قلق من وجود عناصر متطرفة قد تسيء استخدام هذا الدعم. إذن سيدعو هذا الائتلاف الفصائل المجاهدة إلى الانضواء تحت رايته والتخلى عن بعض طروحاتها المقلقة للمجتمع الدولي...طبعا لن تقبل هذه الفصائل. عدم قبولها تمزيق للصف وتفويت للفرصة التاريخية من تحصيل الدعم. إذن ففي عيون الشعب، سيصبح وجود هذه الفصائل هو العقبة الكأداء أمام النضال في سبيل الحرية...وجود هذه الفصائل هو السبب في استمرار معاناتهم، بل إن النظام النصيري مستفيد من وجود هذه الفصائل لأنها تطيل بقاءه وتنفر المجتمع الدولي عن المساعدة في محاربته! إذن فالحل هو في التخلص من هذه الفصائل. لكن لها حضورا وشعبية لدى الشعب المسلم...لا بد إذن من حملة التشويهات لصورة هذه الفصائل الجهادية والقيام بعمليات دموية "إرهابية" ونسبتها إلى الفصائل الجهادية وافتعال المناوشات بينها وبين أتباع هذا الائتلاف الجديد وإظهارها على أنها تركت الحرب ضد الأسد وتوجهت لتكفير وتفجير أتباع ومؤيدي هذا الائتلاف!

هذه الصورة التي يراد رسمها وإقناع الناس بها.

هل ما أقوله إخواني هو استنتاجات وتشاؤم وسوء ظن؟ بل هو عين ما تصرح به القيادات الغربية بكل وقاحة. فها هو أوباما يصرح بأنه يمتنع عن دعم الائتلاف لوجود عناصر متطرفة على الأرض في سوريا. إذن ما المطلوب حتى يسمح بالتسليح؟ التخلص من هذه العناصر. وها هو أول أمس الأربعاء 14-11-2012 يقول: (لقد شاهدنا وجود عناصر متطرفة تندس فى المعارضة)، ويقول: (كما تعرفون، فإن أحد الاشياء التى يجب أن نحترس منها، وبشكل خاص عندما نبدأ الحديث عن تسليح المعارضة، هو أننا لا نضع بشكل غير مباشر الأسلحة فى أيدي مجموعة ستضر الأمريكيين أو الإسرائيليين أو ستشترك فى أعمال تضر بأمننا القومي)...طبعا هؤلاء يسمون المجاهدين (عناصر مندسة)، وإلا فهم يعلمون أنهم نبض الشارع السوري ويحظون بتأييد شعبي متنامٍ، وإلا لما خافوا من وجودهم.

وقد عبر رئيس الائتلاف الجديد "الشيخ" الخطيب عن ذلك إذ قال في أول تصريح له السبت الماضي:

(اليوم اعترفت الولايات المتحدة بالائتلاف ممثلا وحيدا للشعب السوري ولكنها علقت ذلك على تأكدها من أن الائتلاف يمثل الشعب السوري حقيقة … هذه لحظة تاريخية .. أرجو الله أن لا نخذلكم فلا تخذلونا أرجوكم .. أريد أن يكون شعار الجمعة القادمة : (يا أوباما لا تخاف .. كلنا مع الائتلاف)...ثم يبدو أن بعض من حوله أشاروا عليه بأن هذه الكلمات فاضحة لتبعيتهم فغير الشعار إلى: (يا أوباما اسماع اسماع كلنا مع الائتلاف)!

وقال في هذا الخطاب أيضا: (نريد أول شيء أن نتوحد ولا يأتي شخص بتصريح على فضائية يخرب كل شيء ويعطي انطباعا أننا متمزقون). إذن أصبحوا هم الممثل الشرعي الوحيد، ومن يصرح بأي شيء خارج عن السياسات الغربية فهو مخرب خرب كل شيء ومزق شمل الشعب السوري...سبحان الله!




وظهرت التبعية وتنفيذ المخططات واضحة في قول هذا الرئيس للائتلاف في اول خطاب له:
(أريد لافتات فيها شكر للرئيس الفرنسي ولافتات (الشعب السوري واحد) ولا فتات عليها : (لا تطرف لا إرهاب) .. افهم افهم يا حباب...أريد أن تظهر طبيعة الشعب السوري وأن لا تكون هناك تطرفات في أفكاره)

إذن شكر لفرنسا، تطمين لأوباما، وتبرؤ من التطرف والإرهاب. من الذي يعرف التطرف ويحكم على فصيل بأنه متطرف؟ طبعا أوباما الذي نطمئنه، و فرنسوا هولاند الذي سيمدنا بالسلاح!




إذن فالدور المطلوب من الائتلاف هو ذاته الدور المطلوب من الصحوات في العراق، وكرزاي في أفغانستان، وشيخ شريف في الصومال...محاربة المجاهدين ومنع قيام دولة إسلامية...ولا بد أن يكون ذلك على يد شخص له "شرعية" دينية من قبل مثل رباني وسياف في أفغانستان وشيخ شريف في الصومال.




لذا فتسمية هذه الصنيعة الغربية بالائتلاف تسمية مسمومة، إنما هو تجمع ضرار. لا ندعوا إلى مبادرة هذا الائتلاف بالسلاح، بل ندعوا إخواننا إلى تجنب المواجهة معه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. لكننا نخشى أن يبادر هذا الائتلاف بالعدوان ولا يدع لهم خيارا آخر.




في الخلاصة، ما المطلوب من الشعب السوري ومن المجاهدين ومن الشعوب الإسلامية؟

نقول باختصار: أيها الشعب السوري المسلم، تذكر قول الله تعالى في سورة الأعراف بعد أن ذكر ما كان من فرعون إذ قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون...

((قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ))

استعينوا بالله واصبروا...العاقبة للمتقين...قالوا: (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا)...كأنهم يلمحون بأن أذيتنا كان لها ارتباط بك يا موسى. ففرعون قتل أبناءنا لخوفه من ظهور نبي من بني إسرائيل يكون زوال ملكه على يديه، ثم فرعون الآن يقتلنا ويستحيي نساءنا لأننا آمنا بك، وقد طال البلاء ولا نرى لهذه المعاناة من نهاية...مل قوم موسى وأنهكوا وزلزلوا، لكنه قال بلغة واثقة مطمئنة: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).

فقف أيها الشعب مع المجاهدين المخلصين الذين فدوك بأرواحهم وتركوا البلاد والأولاد ليدافعوا عن عرضك... ولا ينفذون أجندة أحد، إنما لتكون كلمة الله هي العليا.




اعتقاد أنه لا نصر لكم إلا بتدخل المجتمع الدولي اعتقاد فاسد وسوء ظن بالله نجلكم عنه أيها الشعب السوري. بل إن الله عز وجل أراكم بشائر النصر على يد ثلة من المجاهدين لا تدعمهم أية دولة، وما تكالب المجتمع الدولي إلا بعدما رأى ما لم يتوقعه من انتصارات لهذه الفئة المؤمنة. فتولوا إخوانكم والتفوا حولهم...((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ( 55 ) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) ))




ثم يا ساداتنا المجاهدين في سوريا على اختلاف فصائلكم، يا من تقاتلون نجدة لإخوانكم ولإقامة حكم إسلامي خالص...إن حصلتم معية الله فمكر أولئك هو يبور، فلستم أنتم من تقفون أمامهم حينئذ بل: ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين))...




وأيتها الشعوب الإسلامية...الشام الآن هي الأمل...لا يليق بها إلا أن أن تكون شام العزة والإيمان، لا شام الشقاق والنفاق. فالمدافعون عن أعراض المسلمات، الذين يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا...أولئك لهم عليكم حق الإعانة بكل الأشكال الممكنة. فانصروهم ولا تخذلوهم.

((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون))

والسلام عليكم ورحمة الله.



الدكتور: إياد قنيبي


قراءة المقال بالصوت