السبت، 9 مارس، 2013

رد الشيخ الزرقاوي على تراجعات أبي محمد المقدسي


رد الشيخ الزرقاوي على تراجعات أبو محمد المقدسي

بَيَانٌ وَتَوضِيحٌ لمَا أَثَارَهُ الشَّيخُ المَقدِسِيُّ فِي لِقَائِهِ مَعَ قَنَاةِ الجَزِيرَةِ


تاريخ إصدار البيان: 2005-7-12 تكبير الخط تصغير الخط

بَيَانٌ وَتَوضِيحٌ لمَا أَثَارَهُ الشَّيخُ المَقدِسِيُّ
فِي لِقَائِهِ مَعَ قَنَاةِ الجَزِيرَةِ

6 جمادى الثاني 1426 هـ
12 يوليو/تموز 2005 م

بِقَلَمِ الشَيخ
أَبِيْ مُصْعبٍ الزّرْقَاوِي (رَحِمَهُ الله)

الحمدُ للهِ معزِّ الإسلامِ بنصره، ومُذلِّ الشركِ بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومستدرجِ الكافرين بمكره، الذي قدّر الأيام دولاً بعدله، والصلاةُ والسلام على من أعلى اللهُ منارَ الإسلامِ بسيفِه.

أمَّا بعد؛

فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده على مر الأيام والليالي بأنواع المحن والابتلاءات، فتنة لهم واختبارًا، وتمحيصًا لهم وامتحانًا، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم} [محمد:31]، وفي (صحيح مسلم) قال الله -سبحانه وتعالى- للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّما بعثتُك لأبتليَك، وأبتليَ بك).

وها هي صورة من صور الابتلاء تتجدد على أرض الرافدين، بعد أن غزاها عباد الصليب، يرومون فتنة العباد، والسيطرة على البلاد، في أكبر حملة صليبية عرفها التاريخ المعاصر.

وقد أكرمنا الله سبحانه وتعالى فسلكنا طريق الجهاد في سبيله، نصرة لدينه، وإعلاء لكلمته، فرمانا الناس عن قوس واحدة، فصوَّبوا تجاهنا سهامهم، وسلَّطوا علينا ألسنتهم، تشويهًا لدعوتنا وجهادنا، وتنفيرًا للخلق مِنَّا.

فمضينا وحادينا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم).

وكان مما يؤنس وحشتنا في دربنا، ويخفف عنا غربتنا في طريقنا، أن منتقدينا هم من أولي المناهج الفاسدة، والمذاهب الباطلة.

وقد أكرم الله عباده المجاهدين، وأوليائه الصادقين، ففتح عليهم في معركة الأحزاب معركةِ الفلوجة الأولى، فأَذَلَّ عدوهم، وردَّهم على أعقابهم خاسرين.

وبينما هم يتفيؤون ظلال هذا الفتح المبين، ويعيشون أيامه؛ إذا بهم بما يعكر عليهم صَفْوَه، ويذهب حلاوته، إنَّه سهم جديد مُصَوَّب إلى نحورهم، ولكنه هذه المرة ليس من كنانة من وصفتُ حالهم من قَبْلُ، بل هو من رجل محسوب على هذا المنهج، ومن أهل العلم، ذلكم كان مقالاً للشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله بعنوان: (الزرقاوي آمال وآلام، مناصرة ومناصحة)

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

وإن أنسى، فلا أنسى بكاء الشيخ أبي أنس -رحمه الله- عندما رأى الحزن باديًا على قسمات وجهي بعد قراءتي لهذه المناصحة لما فيها من تجنٍّ، وعدم تثبت، وقلب للحقائق!

فواساني وقال: يا فلان، إن الله يدافع عن الذين آمنوا.

ولا أبيح سرًّا إن قلت؛ إني كنت أظن أن الأمر لا يعدو أن يكون كبوة من فارس، يوشك أن يقوم منها، وأن المسألة ستقف عند هذا الحد؛ لكن الشيخ المقدسي حفظه الله شفعها بـ(وقفات مع ثمرات الجهاد)، ثم أَكَّد ذلك كُلَّه في مقابلته مع (قناة الجزيرة) مع تصريحه بأنه يتكلم بمحض إرادته، وليس ثَمَّ من يجبره على مقاله.

فرأيت أن الأمر بدأ يتعدى حدود النصح والمناصرة، وأن هذا النصح فقد طريقه ومسالكه الشرعية، وبدأت له أبعاد أخرى، لا سيما في هذا الوقت الخطير، الذي أصبح انكسار شوكة جيش عباد الصليب واضحًا لكل ذي عينين، فرأيت لزامًا عليَّ أن أوضح بعض الحقائق، وأصحح بعض المغالطات، التي وردت في المناصحة، واللقاء مع (قناة الجزيرة)، دون استيعاب مني لكل ما ورد فيهما، فذاك يحتاج إلى تسويد صفحات وصفحات، (وما لا يدرك كُلُّه لا يترك جُلُّه)، أسأل الله أن يسددني، وأن يقيني حظوظ نفسي.

فأقول وبالله توفيقي وعليه اعتمادي؛

أولاً: سيكون كلامي منصبًّا على توضيح بعض الحقائق مما له علاقة بمنهج جهادنا في العراق وما يَمُتُّ إليه بصلة، وسأعرض عما ورد في مناصحة الشيخ حفظه الله فيما يتعلق بعلاقتي معه وما جرى بيني وبينه في غابر الأيام، مما أراه لا يخدم ما نحن بصدده، ولما فيه من منفعة لأعداء الدين.

ثانياً: ذكر الشيخُ حفظه الله في مطلع مناصحته أنه حاول جاهداً قبل نشرها إيصال أشياء كثيرة من محتواها إليَّ، فلم يتمكَّن من ذلك -على حدِّ قوله- فاضطر لنشرها، ولو سلَّمنا له بذلك، فما المبرر لإعادة ذكر هذا الكلام مرة أخرى في المقابلة مع الجزيرة، إذا كان مقصوده إبلاغ النصيحة، وقد تَمَّ له ذلك من قَبْلُ في رسالته، ولماذا في هذا الوقت بالذات، مما لا يصب إلا في مصلحة الصليبين، وأذنابهم من المرتدين.

ثالثاً: ذكر الشيخُ حفظه الله أني كنت ممن استفاد منه، واستظل بمشيخته، وأني كنت لا أصدر إلا عن رأيه، ولا أقول إلا بقوله واختياره؛ فأقول:

لا شك أنَّ الشيخَ أبا محمد حفظه الله له فضل كبير وعظيم على العبد الفقير، فهو أحد من تلقيت عنه التوحيد وتفاصيله، وكنت أعتقد كثيرًا مما كان يعتقده أبو محمد، ولكن لا بد أن يُعلم أن متابعتي له إنما هو لاعتقادي بأن ما يطرحه ويكتبه في رسائله هو موافق للكتاب والسنة، وليس هو مجرد تقليد أعمى، ولو كان الأمر كذلك لكان تقليدنا لمن هو أكبر منه قدرًا، وأرفع منه علمًا أولى بنا، فأصل دعوتنا اتباع الكتاب والسنة، ومن ثَمَّ الأخذ بقول من وافقهما، وطرح ونبذ قول كل من خالفهما.

فكما أني استفدت من الشيخ أبي محمد -جزاه الله خيرًا- فقد استفدت من علماء آخرين؛ وهذا لا يعني أن ألتزم بكل ما يقوله المقدسي، والعلم ليس حكرًا عليه وحده، وما كل ما يقوله المقدسي صحيح ويجب اتباعه؛ ولا سيما في الأمور الاجتهادية والنوازل الحادثة.

وأنا في سيري في طريق الجهاد لا أقدم على أي مسألة إلا وضوابط الشرع أمام ناظري، ولا أتجرأ في مسألة حتى أستشير فيها أهل العلم الصادقين المجاهدين، والله يعلم أن الاتصالات لم تنقطع بيني وبين بعض أهل العلم، ممن يفوق أبا محمد علمًا أستفتيهم في غالب ما يواجهني، وهم الآن مبتلون معتقلون في سجون الطواغيت، ولولا خشية تضررهم بذكر أسمائهم لصرحت بذلك.

وكل من يعرف العبد الفقير، ويعرف الشيخ داخل السجن وخارجه، يعلم علم اليقين أنني كنت أخالفه في كثير من المسائل، وخصوصًا المسائل المتعلقة بالجهاد والعمل الجماعي، وعندما خرجت من السجن وقررت أن أذهب إلى أرض الجهاد لم أستشر أبا محمد حفظه الله؛ بل كنت أرى طريقة أخرى لنصرة هذا الدين تختلف عن الطريقة التي يراها الشيخ المقدسي حفظه الله.

هذا مع حزني وأسفي أن تصدر مثل هذه المقالة من أبي محمد، الذي من أصول دعوته تعبيد الناس إلى الله؛ لا إلى ذواتهم وأشخاصهم... (مشيختي، وظلي، واستفادوا من اسمي، ...) [هذه كلمات إستخدمها المقدسي خلال مقابلته مع الجزيرة] والله المستعان.

وهل مَرَّ بكم في الكتاب والسنة، أو في تاريخ سلفنا؛ أن المرء إذا استفاد من شيخ في علم ما؛ أنه يصبح عبدًا له، لا يجوز له أن يخالفه في اجتهاده، أو أن يقول بقول غيره من أهل العلم.
رابعاً: ذكر الشيخُ حفظه الله بأنني اشترطت على الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- تدريس منهج أبي محمد كشرط للعمل معه.

أقول: هذا الكلام عارٍ عن الصحة تمامًا، فأنا لم أجلس يومًا مع الشيخ أسامة -حفظه الله- بخصوص هذا الشأن.

وأنا أسأل الشيخَ حفظه الله عن قوله: (منهج أبي محمد) أهو منهج تفرد به لم يسبق إليه، أو أنه متبع فيه لغيره من أئمة سلفنا الصالح؟ فإن أجاب بالأول؛ فلا حاجة لنا بمنهجه، فديننا دين اتباع لا دين ابتداع، وفي منهج أسلافنا غُنْيَة عن منهج فلان وفلان، وإن أجاب بالثاني -وهو حَرِيٌّ به- فَعَلام ينسبه إلى نفسه، وهؤلاء مشايخ الجهاد في عصرنا قد دَعَوْا إلى مثل ما كان يدعو إليه أبو محمد، وما سمعنا أحدهم يومًا أنه قال: هذا منهجي!!

ولا ينقضي عجبي كيف يطرح الشيخ مثل هذا الأمر؛ وهو لم يتبين مني، وثَمَّ تساؤلات تؤرقني، لماذا هذا الكلام في هذا الوقت بالغ الحساسية، ولا سيما أني الآن جندي من جنود الشيخ أسامة -حفظه الله-، وما المصلحة، ومن المستفيد من ذكره الآن؟

خامساً: ذكر الشيخُ حفظه الله أني كنت أقلده في عدم جواز العمليات الاستشهادية، وأني قد توسعت فيها الآن في العراق.

أقول: ليس الأمر كما ذكر الشيخ، فأنا كنت أرى عدم جوازها عندما كنت في أفغانستان إبان الغزو الشيوعي لها، إتباعا مني لبعض الفضلاء من هذا العصر، ولم أكن قد لقيت المقدسي بعد، وعندما التقيت به، وافق اعتقادي قوله، ثم عندما خرجنا من السجن، وذهبت إلى أفغانستان مرَّة أخرى، التقيت بالشيخ أبي عبد الله المهاجر، وجرى حديث بيننا في حكم العمليات الاستشهادية، وكان الشيخ يذهب إلى جوازها، وقرأت له بحثًا نفيسًا في هذه المسألة، وسمعت له أشرطة مسجلة في ذلك، فشرح الله صدري لما ذهب إليه، ولم أتبنَّ جوازها فقط؛ بل بتُّ أرى استحبابها، وهذا والله من بركة العلم ولقاء أهله، ورتبت للشيخ المهاجر في معسكر هيرات دورة شرعية مصغرة لمدة عشرة أيام، قام خلالها ببيان حكم هذه العمليات للإخوة، مما كان له أعظم الأثر في نفوسهم.

ثم لماذا ينكر علي الشيخ تغير اجتهادي في حكم هذه العمليات، مع أنه كان يرى أولاً حرمتها، ثم هو الآن يرى جوازها بشروط وضعها، أليس من الإنصاف أنه إذا ذكر ذلك أن يذكر هذا.

روى البخاري تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة عن عمار، قال: (ثلاث من جمعهن جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم).

سادساً: ذكر الشيخُ حفظه الله بأنني سميت (جماعة التوحيد والجهاد) نسبة لموقعه المسمَّى بمنبر التوحيد والجهاد.

أقول: إن كَلِمَتَي: (التوحيد) و(الجهاد) مصطلحان شرعيان، كنا نرددهما ونتغنى بهما دائمًا في سجننا، فعلام ينكر علينا تسمية جماعتنا بهما، وهل هما حكر على أحد بعينه؟

وما ينقضي عجبي كيف يصدر هذا الكلام من مثل أبي محمد حفظه الله، وإن الذاكرة لتعود بي إلى تلك الأيام التي كنا نتذاكر فيها هموم الدعوة وما كنا نلاقيه من بعض أفراخ المرجئة والجهمية؛ كعلي الحلبي وغيره، الذين كانت مهمتهم تصنيف الناس على أساس الموافقة والمخالفة لهم، فمن وافقهم كان سلفيًّا، ومن خالفهم كان بدعيًّا، فكان الشيخ المقدسي -حفظه الله- يردِّد بأن السلفية ليست وكالة خاصة، ولا شركة مساهمة يحتكرها إنسان بعينه، ويحرمها على الآخرين، فما بال الشيخ حفظه الله اليوم يقع فيما كان ينكره بالأمس على الآخرين.

ولو أني شكلت جماعة باسم: (الجماعة السلفية للدعوة والقتال في العراق)، فهل يلزم من ذلك الانتساب للإخوة في الجزائر حفظهم الله؟

إن كثيرًا من علمائنا كانوا يصنفون التصانيف، مع تماثل مسمياتها، وما سمعنا إنكار أحدهم على الآخر، كـ(الزهد) لابن المبارك، وابن أبي عاصم، وأحمد بن حنبل، والبيهقي، و(أحكام القرآن) للجصاص، وابن العربي، و(فتح الباري) لابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وغير ذلك كثير.

نعم، يمكن أن تكون محقًّا لو كنا سمَّينا جماعتنا بـ (جماعة التوحيد والجهاد المنبثقة عن منبر التوحيد والجهاد) أو التابعة لمنبر التوحيد والجهاد، أو التابعة للشيخ المقدسي، أو اتخاذ شعار المنبر نفسه، أو نحو ذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لدى كل من يسمع هذا الكلام: ما المراد في ذكر هذه المسألة وتكرارها في كل محفل، وما الذي ستسفيده الأمة منها، مع أن جماعة التوحيد والجهاد أصبحت جزءًا من الماضي، وهي الآن منطوية تحت لواء تنظيم القاعدة؟

سابعاً: قال الشيخُ حفظه الله: إنه لا يرى تفجير الكنائس، وقتل المدنيين.

أقول: لا أدري من أين يأخذ الشيخ حفظه الله أخباره، ومن أين يتلقى معلوماته؟ مع العلم أنا قد صرحنا في شريط (وعاد أحفاد ابن العلقمي) بأننا لم نستهدف النصارى وغيرهم من المدنيين، ومما قلناه هناك: (وفي أَرض الرَّافدين طوائفُ عدة، كالصَّابئة، واليزيدييِّن عبدة الشَّيطان، والكَلْدانيين، والآشوريين، ما مددنا أَيدينا بسوء إليهم، ولا صوبنا سهامنا نحوهم، مع أنَّها طوائف لا تَمُتُّ إلى الإسلام بصلة، ولكن لَمْ يظهر لنا أَنَّها شاركت الصَّليبيين في قتالهم للمجاهدين، ولَمْ تلعب الدَّور الخَسيس الذي لعبه الرَّافضة).

ثامناً: تحفظ الشيخُ على قتالنا للروافض، وذهب إلى أن عوَّام الرافضة كعوَّام أهل السنة.

أقول: أما قتالنا للروافض فقد صرَّحنا مرارًا -ولا سيَّما في الشريط الآنف الذكر- أننا لم نبدأهم بقتال، ولا صوَّبنا إليهم النبال، وإنما هم بدؤوا بتصفية كوادر أهل السنة، وتشريدهم، واغتصاب مساجدهم ودورهم، وما جرائم فيلق بدر عنا ببعيد، ناهيك عن تسترهم بلبوس الشرطة والحرس الوثني، ثم من قبل هذا كلِّه ولاؤهم للصليبين، أفيسعنا بعد هذا كله أن نعرض عن قتالهم.

وأما القول بأن عوام الرافضة كعوام أهل السنة، فهذا –والله- من الظلم لعوام أهل السنة، أيستوي من الأصل فيهم التوحيد، مع من الأصل فيهم الاستغاثة بالحسين وبآل البيت، وصنيعهم في كربلاء وغيرها ما عاد يخفى على كل ذي عينين، هذا مع اعتقادهم العصمة في أئمتهم، ونسبة علم الغيب والتصرف في الكون إليهم، وغير ذلك من الشركيات التي لا يعذر أحد بجهلها.

أيستوي من الأصل فيهم الترضي على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع من الأصل فيهم بغض الصحابة؛ بل لعنهم وعلى رأسهم صاحباه: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، واتهام الصديقة عائشة _رضي الله عنها_ بالفاحشة، فلا وربي لا يستويان.

والله ما استويا ولن يتلاقيا *** حتى تشيب مفارق الغربان

ثم إن المطلع على أحوالهم في العراق يعلم علم اليقين أنهم ما عادوا عوامًّا بالمفهوم الذي تريد؛ فقد أضحوا جنودًا للكافر المحتل، وعيونًا على المجاهدين الصادقين، وهل وصل الجعفري والحكيم وغيرهما من الرافضة إلى سدة الحكم إلا بأصوات هؤلاء؟! ومن الظلم أن يؤتى بفتوى ابن تيميه في عصره ثم تنّزل على واقع الرافضة اليوم (من دون النظر إلى الفوارق بين العصرين)، ثم هناك من العلماء من تكلم في كفر الرافضة بأعيانهم كالشيخ حمود العقلاء رحمه الله والشيخ سليمان العلوان والشيخ علي الخضير (فك الله أسرهما) والشيخ أبي عبد لله المهاجر والشيخ الرشود رحمه الله وغيرهم.

تاسعاً: ذكر الشيخُ حفظه الله في لقائه أنه لا يُحَبِّذُ ذهاب الشباب المجاهد إلى العراق؛ لأنها ستكون محرقة لهم، على حدِّ وصفه.

وهذه والله المصيبة الكبرى، أيعقل أن تصدر مثل هذه الفتوى عن مثل أبي محمد.

عن أي محرقة تتكلم أيها الشيخ الفاضل؟

إن المحرقة كل المحرقة في الإعراض عن تنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى في النفير إلى ساحات الجهاد، قال تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]

إن المحرقة في التنكب عن القيام بما أجمعت عليه الأمة من وجوب نصرة المسلمين المستضعفين؛ الذين صال عليهم عدوهم، فاستباح ديارهم، وانتهك أعراضهم، قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر} [الأنفال:72].

إن المحرقة في التقاعس عن استنقاذ أسرى المسلمين من أبي غريب وغوانتناموا وغيرها.

إن المحرقة في التخاذل عن تحرير أخواتنا العفيفات الطاهرات اللاتي ينتهك عرضهن صباح مساء على أيدي الصليبين والروافض الحاقدين، على مرأى ومسمع من العالم.

إن الحجاج بن يوسف الثقفي -وهو من هو في ظلمه وبطشه- بلغه أن امرأة من المسلمين سُبيت بالهند فنادت: يا حجاجاه، فجعل يقول: لبيك لبيك، وأنفق سبعة آلاف ألفِ درهم، حتى افتتح الهند واستنقذ المرأة، وأحسن إليها.

أليس لازم الأخذ بهذا القول هو ترك الجهاد والقعود عنه، وتسليم بلاد المسلمين لعباد الصليب، ليفعلوا بهم ما يشاؤون.

إن النفير إلى ساحات الجهاد لا يقرب أجلاً ولا يباعد رزقًا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفخ في روعي: إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).

وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه شهد ما يربو على مئة غزوة، ثم هو -رضي الله عنه- يموت على فراشه.

ولهذا فإني أنصح المسلمين بالإعراض عن هذه الفتوى التي يرى فيها الشيخ أن نفير شباب الأمة للدفاع عن دينهم، والذود عن حرماتهم وأعراضهم محرقة، مخالفًا بذلك إجماع الأمة في دفع العدو الصائل، وعليكم بعلماء المجاهدين وقادتهم، فهذا الشيخ أسامة بن لادن يرى أنكم على ثغر عظيم، ويقسم أنه لو وجد طريقًا إلى العراق لما تردد في النفير، والشيخ أيمن الظواهري يرى قتالكم فريضة وواجبًا، والشيخ سليمان العلوان، وكذا الشيخ أبو عبدالله المهاجر، والشيخ أبو الليث الليبي، والشيخ عبد الله الرشود رحمه الله، والشيخ يوسف العييري رحمه الله، والشيخ حمد الحميدي وغيرهم، يرون أن الجهاد في العراق من أوجب الواجبات، فمرجعيتنا الكتاب والسنة، فما وافقها اتبعناه وما خالفها رددناه، وإن كان المخالف من أعلم الناس مع حفظنا لقدره وعلمه.

فوالله يا أبا محمد لو وقفت الأمة بأكملها، وقالت: إن الجهاد في العراق محرقة، لما أطعتهم في ذلك إلاّ أن يأتوني بدليلٍ بين، كيف وكتاب الله ينطق بيننا بالحق، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [النساء:75]

فلسنا -بحمد الله- رافضة، حتى نَصُمَّ آذاننا، ونعميَ أبصارنا، ونتبعَ مرجعيتنا على غير هدى وبصيرة وهل هذه الفتوى؛ ولا سيما في هذا الوقت الذي غدا انكسار الجيش الأمريكي واضحا للعيان؛ إلا وسيلة لإنقاذ بوش ومرتزقته، شعرنا أم لم نشعر، قصدنا أو لم نقصد؟

ولا أجد لرد شبهة الشيخ حفظه الله خيرًا من نقل كلام الشيخ حفظه الله نفسه في مقدمته لكتاب (جؤنة المطيبين) للشيخ أبي قتادة حفظه الله، حيث قال: (فلا يجوز أن نقف حجر عثرة بفتاوى أو أحكام قصيرة النظر، كليلة عن إدراك مقاصد الشريعة ومعرفة واقع المسلمين: فنصد عن كل قتال أو جهاد يقوم في الأرض يدفع فيه الصائل عن المسلمين المستضعفين أو مقدساتهم، بدعوى ما يتخلله من أخطاء أو انحرافات.. فإن كنت يا عبد الله تروم جهادا ربانيا خاليا من تلك الشوائب والشبهات، وتشحّ بنفسك أن تبذلها إلا بمثل هذا الجهاد، فلك هذا، ولا يحل لأحد إنكاره عليك، فما هي إلا نفس واحدة، وليس ثم غيرها لتجرب بذلها هاهنا، ثم هاهنا.. ثم ها هناك..

لكن حذار أن تصدّن غيرك عن جهاد يجيزه بل يوجبه الشرع أحيانا: لمجرد ما فيه من هنات أو أخطاء أو تشوهات.. بل سأذهب بحديثي أبعد من ذلك فأقول: حذار أن تصدّن عن قتال لأعداء الله، ولو كان المقاتلون ممن لا خلاق لهم وليسوا على سبيل المؤمنين..

أوليس الوعي بسبيل المجرمين والنضوج في معرفة واقع المسلمين يقتضي إن لم نشارك؛ أن لا نقف في وجه مثل هذه المواجهات، وأن لا نقف حجر عثرة في مثل هذه الميادين؟؟

ثم ما الدافع الذي يدفع مثل هؤلاء الشباب الأغرار إلى التخذيل والصد عن مثل هذه المواجهات والمدافعات؟ أهو حقا النصح لأهلها؟؟ فإن هذا متأت دون التخذيل عنها، والتهوين من شأنها وشأن الدماء النازفة فيها) انتهى كلامه.

وأخيرًا، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، أقول للشيخ حفظه الله:

إن ما كتبته من المناصرة والمناصحة، هو في الحقيقة ليس من المناصرة في شيء، فقد ذكرتَ أمورًا لا تَمُتُّ إلى المناصحة بشيء؛ من سرد لوقائع ومحطات في تاريخنا الدعوي، بل للأسف لم تكن منصفًا فيها، ولم تتحر الدقة في سردها، واعلم يا أبا محمد أنني قادر على تفنيد كثير من المغالطات التي ذكرتها وبكل قوة، ولكن هذه القوة والشدة والغلظة أدخرها لأعداء هذا الدين لا لإخواني ، وهذا ما أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم} [الفتح:29]

وأحب أن أبشرك يا أبا محمد بأن عباد الصليب، والعلمانيين، والروافض، والحزب الإسلامي، والجهمية والمرجئة في العراق، يقومون بتوزيع هذه المناصرة على الناس؛ حتى يصدوهم عن اللحوق بركب المجاهدين.

وأعلم يا شيخنا الفاضل أنه بُعيد لقائك مع قناة الجزيرة بات أعداء الله بخير ليلة من العلمانيين وغيرهم من منافقي هذه الأمة، فهذا ذنب آل سلول(العواجي) يصرح مأموراً من أسياده بأن المقدسي قد تراجع وأن المجاهدين سيحصل بينهم انشقاق.

هذا الذي خرج على القنوات يوم مقتل (المقرن رحمه الله ورفع درجته) مناصراً للطواغيت مخاطباً المقرن والشيخ العييري رحمهما الله: بأنكما الآن في دار الحق، فماذا ستقولان لله عندما يسألكما عن النفوس المعصومة التي أُزهقت على أيديكما.

وإذا سُئِلت عن ذلك قلت بأن هؤلاء زوّروا كلامي ولم أكن اقصد ما ذهبوا إليه (كما ذكرت في بيانك الأخير وما حصل من شأن الصحف)

فأقول سامحك الله يا أبا محمد ومتى كانت هذه الصحف والقنوات ممن يروم نصرة الحق وأهله وأنت الذي ممن كان يبصرنا بسبيلها.

فهلاّ انتظرت حتى يأتيك من أخبارنا ما يجلّي لك واقعنا الذي نعيش، ثم بعد ذلك اختر ما شئت من الطرق الشرعية للنصح، فما كان حقا أخذناه وعملنا به، وما كان غير ذلك بينّا لك وجهة نظرنا الشرعية واجتهادنا (حسب واقعنا الذي نعيش) والذي تجهله لبعدك عنه.

واعلم يا شيخنا الفاضل: أن هذا الأمر لا يضرني؛ بقدر ما يضر هذا الجهاد، فإنما أنا رجل من رجالات المسلمين، يوشك أن ينادى عليَّ فألبي، ولكن الحزن كل الحزن على جهاد قائم؛ بادية بركاته لكل ذي عينين، يراد له أن يقوض بنيانه؛ فإن تمَّ لهم ما أرادوا _عياذًا بالله_ كان لك نصيب الأسد من ذلك.

أعيذك بالله أن تتبع خطوات الشيطان فتهلك؛ فاحذر يا شيخنا الفاضل من مكر أعداء الله، واحذر أن يستدرجوك لشق صف المجاهدين.

أما شعرت أيها الشيخ الجليل الاهتمام الملفت للأنظار من الإعلام بشتى وسائله بهذا اللقاء الغير موفق (توقيتا ومضمونا).

ألم يدر بخلدك بان هذه الأبواق المستأجرة لم تسعى يوما لإحقاق حق أو لإزهاق باطل وإنما لتفريق كلمة المسلمين ودس السم بالعسل، لقد خرج علينا المراسل ـ الذي أجرى معك اللقاء ـ في برنامج (ما وراء الخبر) يقول إن الأجهزة الأمنية اتصلت بالشيخ وأنا عنده تطلب منه إجراء مقابلة مع إحدى القنوات الفضائية.

أتدري ما معنى هذا الكلام يا شيخنا الفاضل؟
أما علمت ماذا ستترك هذه المقولة في أذهان المسلمين؟

إعلم أيها الشيخ الجليل؛ أنني قد أشك في نفسي ولكن لست ممن يشك لحظه في دينك، ولكن يا أبا محمد لماذا غفلت عن حديث (صفية).

فعن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَا وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَالَيَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا.

لماذا جعلت للأعداء سبيلا على إخوانك (حسبنا الله ونعم الوكيل).

وقبل الختام لا بد من القول؛ بِأن الشيخ المقدسي حفظه الله ممن يحفظ لهم حقهم وبلاؤهم، وهو ممن يحسن الظن به، وهو أولى الناس بالمعذرة وإقالة العثرة، ولا أظن موحدا في هذا الزمان إلا وللشيخ عليه فضل، فلا يعني إن جانب الصواب في مسألة ما أن يحط من قدره وعلمه وحفظ سابقته وبلائه، ولولا خطورة ما تكلّم به الشيخ، وما سيترتب عليه من آثار سيئة على الجهاد والمجاهدين لم يكن هذا الرد.

أسال الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يغفر لنا وله، وأن يختم لنا وله بالحسنى، وألا يجعل لأعدائه علينا وعليه سبيلاً.

وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أَبُوْ مُصْعَبٍ الزَّرْقَاوِي
أَمِيْرُ دولة العراق الاسلاميه فِيْ بِلادِ الرَّافِدَيْن
العِرَاقُ – بِلادُ الرَّافِدَيْن